أبو نصر الفارابي

62

الجمع بين رأيي الحكيمين

شيء بعلم خالد ، اي يكون هو نفسه خالد . - وهذا هو رأي سقراط بالذات ، نسب إلى أرسطو . ومن اشهر الكتب التي نسبت خطأ إلى أرسطو « كتاب الربوبية لأرسطو » أو « اثولوجيا ارسطوطاليس » « 1 » وهو في الواقع كتاب مستوحى من التسوعات الرابعة والخامسة والسادسة لافلوطين . والنفس هي محور البحث في كتاب « الربوبية » . وكل معرفة انسانية صحيحة فهي معرفة النفس ، اعني معرفة الانسان نفسه ، بان يعرف أولا ماهية النفس ، ثم يعرف آثارها معرفة دون ذلك . والحكمة العليا هي في هذه المعرفة التي لا يبلغها الّا قليل جدا ، وهي لا تدرك ادراكا تاما من طريق المفهومات الفكرية ، ولذلك يبرزها الفيلسوف لنا ، معشر الناس ، كأنه فنان ماهر ومشرع حكيم ، في صور لا تزال متجددة البهاء ، كأنها عبادة اللّه . وفي هذا يبدو الفيلسوف ، فيما يعالجه من ابراز الفلسفة ، شخصا متعاليا على الحاجات واغراض النفوس ، وساحرا يخلب الألباب ، وعلمه يرفعه على العامة ، لأنهم يظلون دائما في قيود الأشياء وفي اغلال التصورات والتخيلات والشهوات . والنفس تقع في وسط مراتب الوجود ، من فوقها اللّه والعقل ، ومن تحتها الطبيعة والمادة ، وهي تفيض من اللّه على العقل ، وبتوسط العقل تفيض على المادة ، فتحل في الجسم ، ثم تعرج إلى مكانها . وهذه هي الأطوار الثلاثة التي تتقلب فيها حياة النفس ، وتتقلب فيها حياة العالم . والمادة والطبيعة والاحساس والتخيل تكاد هنا تفقد كلّ ما لها من شأن ؛ فكل الأشياء تستمد وجودها من العقل ، والعقل ملاك كل شيء ، وكل الأشياء فيه معا . اما النفس فهي عقل أيضا ، ولكن ما دامت في الجسم فهي عقل بالقوة ، هي عقل تصور بصورة الشوق إلى العالم الاعلى ، إلى عالم الكواكب ، عالم الخير والسعادة الذي يحيا حياة عقلية نورانية ، متساميا عن التخيلات والشهوات . ويقول أرسطو في هذا الكتاب ، فيما ظن العرب ، والقول في الحقيقة لافلوطين : « اني ربما خلوت بنفسي ، وخلعت بدني جانبا ، وصرت كأني جوهر مجرد بلا بدن ، فأكون داخلا في ذاتي : راجعا إليها ، خارجا من سائر الأشياء ، فأكون العلم والعالم والمعلوم جميعا ، فأرى في ذاتي من الحسن والبهاء والضياء ما أبقى له متعجبا بهتا . فأعلم اني جزء من اجزاء العالم الشريف الفاضل الإلهي ، ذو حياة فعالة . فلما أيقنت بذلك ترقيت بذاتي من ذلك العالم إلى العالم الإلهي ، فصرت كأني موضوع فيه متعلق به ، فاكون فوق العالم العقلي كله ، فارى كاني واقف في ذلك الموقف الشريف الإلهي ، فارى هناك من النور والبهاء ما لا تقدر الألسن على وصفه ولا تعيه الاسماع ( كتاب

--> ( 1 ) نشر هذا الكتاب « الربوبية » لأول مرة فردريخ ديتريصي ببرلين عام 1882 .